محمد بن جعفر الكتاني

228

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - مجذوبا هائما مولها غائبا في اللّه ، فانيا عما سواه ، دائم الغيبة ، بهلولا قويا ساقط التكليف ، تعتريه الأحوال دائما ، وتصدر منه صيحات أحيانا ، ويقول في بعض الأوقات : « واحد واحد » ، ثم يغيب ويقول : « وح وح » ، وتارة يقول : « انصروا جلولا ! » ، ويكررها . ثم يقول : « انصروا مولاي جلول ! ! » ، ويكررها ، ثم يقول هو بلسانه : « اللّه ينصر جلول ، اللّه ينصر مولاي جلول ، اللّه ينصر السلطان جلول » ، وكان يقول أيضا : « بب جلول ؛ يا جوهرة في اخراصي ، بب جلول يا عمامة فوق رأسي » ، ويقول : « من أنا ؟ » ، فيقال له : « جلول » ، [ 207 ] فيقول : « أنا بب جلول تاكيدة الغرب » ، ويقول : « اطلبوا اللّه في حياة ابن جلول ؛ فإنه تاكيدة الغرب » ، يعني : عمدته . وكان العارف الفاسي يثني عليه ويشهد بصحة حاله ، ويقول : « إنه رجل قوي ! » ، وقال فيه أيضا : « إنه من أهل الحضرة » ، وقال أيضا : « إنه غول من الأغوال » ، وكان سيدي قاسم الخصاصي - رضي اللّه عنه - يتردد إليه ويزوره ، وكان إذا جلس قدامه فصاح ؛ لم يتمالك سيدي قاسم أن يصيح معه . وله - رضي اللّه عنه - كرامات شهيرة ، وتصرفات كبيرة ، ومكاشفات كثيرة ، يتكلم على الخواطر ، وينبئ عما في الضمائر ، وربما يضمن من استضمنه في أمر من الدنيا والآخرة ؛ فيظهر مصداق ذلك وأثره ؛ قال في " الصفوة " : « ومن كراماته - رضي اللّه عنه : ما هو مستفيض من أن السلطان مولاي محمد الشيخ - أي : الملقب بالمهدي ، لا الوطاسي - أو ولده مولاي عبد اللّه ابن الشيخ ؛ لما تغلب على أهل فاس في بعض مخالفتهم عليه ؛ خرج له أهل فاس مستشفعين بسيدي جلول وسيدي مسعود الشراط ؛ فقال لهم : ما وجدتم من تستشفعون به إلا هؤلاء الخرائين ؟ ! . فاغتاظ سيدي جلول وحلف وقال : واللّه لا يتصرف فيها - أي : في فاس - أحد أربعين سنة ، ولما انصرفوا من عند السلطان المذكور ؛ انقلبت معدته وصار يغيط من فمه إلى أن سمح له الشيخان . . . في حكاية طويلة ؛ فكان كما قال سيدي جلول ؛ بقي الناس فوضى لا سائس لهم أربعين سنة » . ه . وكان له - رضي اللّه عنه - أصحاب وأتباع ، وكان انتفاعه على يد سيدي الحاج محمد الرامي كما سبق ، وكان لشيخه هذا التصرف بفاس قبل ورود الشيخ أبي المحاسن عليها . ولما وردها أبو المحاسن ؛ خرج منها وتركها له وسكن فاسا الجديد ، وأما صاحب الترجمة ؛ فقال الشيخ أبو زيد الفاسي في " بستان الأذهان " : « يظهر أنه كان يتصرف مع الشيخ أبي محمد - يعني : العارف الفاسي » . ثم وجه ذلك فانظره .